سلسلةُ رسائلِ الشيخِ ناصرِ الفهدِ في السجنِ

كتبَه/ الشيخُ ناصرُ بنُ حمدِ بنِ حمَيِّنٍ الفهدُ

أحسنَ اللهُ خلاصَه

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمدُ للهِ، والصلاةُ والسلامُ على رسولِ اللهِ، أما بعدُ:

فقد أحسنَ الظنَّ بي بعضُ الإخوةِ الفضلاءِ؛ استسمانًا منهم لذي ورمٍ، فطلبوا مني أن أكتبَ لهم منهجًا في طلبِ العلمِ، وقد كنتُ جمعتُ مسوَّدةَ كتابٍ في هذا، إلا أن تبييضَه لا يمكنُ الآنَ؛ لعوائقَ لا تخفى، فرأيتُ أن أكتبَ ملخَّصَ ما فيه بحسَبِ ما تحتملُه هذه الورقةُ، أسألُ اللهَ أن ينفعَ بها.

أولًا: الإخلاص:

فلا بدَّ لطالبِ العلمِ من إخلاصِ النيةِ، وهذا أمرٌ معروفٌ، ولكنَّ الطريقَ طويلٌ، والقواطعَ منتشرةٌ، وآفاتِ النيةِ كثيرةٌ وخفيةٌ، فعلى طالبِ العلمِ أن يتعاهدَ نيتَه دائمًا؛ فإنها كثيرةُ التقلُّبِ.

ثانيًا: تزكيةُ النفسِ:

وذلك بالمداومةِ على الطاعاتِ، وملازمةِ الاستغفارِ، وتجديدِ التوبةِ، وتجنبِ المعاصي؛ فإنها من أعظمِ العوائقِ في الطلبِ، وقد يُحرَمُ الطالبُ العلمَ وينسى الحفظَ ويتعسَّرُ عليه الفهمُ بشؤمِ المعصيةِ.

ثالثَا: الاستعانةُ باللهِ تعالى: 

والالتجاءُ إليه، ودعاؤُه، والتضرعُ له، والانكسارُ بينَ يديه، وطلبُ الهدايةِ والسدادِ منه، وملازمةُ (لاحولَ ولا قوةَ إلا باللهِ)، والإكثارُ من الأدعيةِ المأثورةِ في البابِ؛ مثلُ ﴿ربِّ زدني علمًا﴾، ﴿سبحانَك لا علمَ لنا إلا ما علمتَنا إنك أنت العليـــمُ الحيكــمُ﴾، (اللهـــم 

علمْني ما ينفعُني، وانفعْني بما علمتَني)، (اللهم فقهْني في الدينِ، وعلمْني التأويلَ)، (اللهم يا معلمَ آدمَ وإبراهيمَ علمْني، ويا مفهِّمَ سليمانَ فهمْني).

رابعًا: العملُ: 

فعلى الطالبِ العملُ بعلمِه؛ فإنما يرادُ العلمُ لهذا، لا للتجمُّلِ به عندَ الناسِ، فعليه أن يجتهدَ في الطاعاتِ، وأن يستكثرَ من النوافلِ؛ من القيامِ والصيامِ والصدقةِ والقراءةِ والذكرِ وغيرِها.

وأنبِّهُ هنا على أمرينِ:

الأولِ: أن الاستغراقَ (المجرَّدَ) في قراءةِ الكتبِ وحفظِ المتونِ وتدوينِ العلمِ ومدارستِه تُحدِثُ في القلبِ قسوةً، فيستثقلُ الطالبُ العبادةَ، فعليه أن يقطعَ وقتًا بين الحينِ والآخرِ لنوافلِ العباداتِ أثناءَ الدراسةِ، وليطالعْ سيرَ الصالحينَ؛ فأنها ترقِّقُ القلبَ، وتبعثُ على العملِ بإذنِ اللهِ.

الثاني: أن ها هنا شبهةً يوردُها بعضُ كسالى طلبةِ العلمِ الذين يستحلون العلمَ، ويستثقلونَ العبادةَ، وهي (أن طلبَ العلمِ أفضلُ من نوافلِ العباداتِ)، وهذه شبهةٌ لا محلَّ لها؛ فلا تعارضَ بينَ الأمرينِ أصلًا فيُقدَّمَ هذا على هذا، ودونَك كبارَ علماءِ الأمةِ من الصحابةِ والتابعينَ ومن بعدَهم تجدْهم من المشهورينَ بالعبادةِ، وإنما يُقدَّمُ العلمُ على العبادةِ إذا تعارضا بوجهٍ لا يمكنُ الجمعُ فيه بينَهما، وهذا لا يحصلُ إلا في صورٍ مخصوصةٍ نادرةٍ.

خامسًا: لا يُنالُ العلمُ براحةِ الجسدِ:

فلا بدَّ من التعبِ والجدِّ والاجتهادِ –خاصةً في بدايةِ الطلبِ-، وقد قيلَ: (النبوغُ عُشْرُه ذكاءٌ، وتسعةُ أعشارِه مثابرةٌ)، ومن كانَ يشكو من ضعفٍ في الحفظِ أو الفهمِ يستطيعُ تعويضَ هذا بقوةِ الإرادةِ وتركِ الكسلِ ومضاعفةِ الجهدِ، فمن قويتْ همتُه وصحَّتْ عزيمتُه واجتهدَ في أمرِه لحقَ بالركبِ إن شاءَ اللهُ تعالى.

سادسًا: أن العلمَ أوسعُ من أن يُحاطَ به فخذْ من كلِّ علمٍ أحسنَه:

فلا ينشغلِ الطالبُ –خاصةً في البدايةِ- ببنيَّاتِ الطريقِ؛ من غرائبِ المسائلِ وشواذِّ العلمِ واللطائفِ التي لا قيمةَ لها إلا التسليةُ والإغرابُ على الأقرانِ، ولينشطْ في إتقانِ أصولِ العلومِ ومعرفةِ مهماتِ المسائلِ.

سابعًا: من بركةِ العلمِ الإنصافُ وتركُ التعصبِ:

فيبحثُ الطالبُ عن الحقِّ بدليلِه من الكتابِ والسنةِ بغيرِ تعصبٍ لمذهبٍ أو عالمٍ أو شيخٍ؛ فكلٌّ يُؤخَذُ من قولِه ويُترَكُ إلا النبيَّ صلى اللهُ عليه وسلمَ.

ثامنًا: من ضيَّعَ الأصولَ حُرِمَ الوصولَ:

والأصولُ هنا قسمانِ:

الأولُ: أصلُ العلومِ كلِّها، وهو (التوحيدُ)، فلا يُعذَرُ الطالبُ بجهلِ مسائلِه أبدًا.

الثاني: أصولُ الفنونِ التي يدرسُها الطالبُ –والأصلُ هنا بمعناه العامِّ لا الخاصِّ-، فأصولُ كلِّ فنٍّ هي أهمُّ أبوابِه وأقسامِه ومصطلحاتِه ومسائلِه.

تاسعًا: ما العلمُ إلا ما حواهُ الصدرُ: 

فعلى الطالبِ العنايةُ بحفظِ المتونِ والأدلةِ والأقوالِ وأمَّاتِ المسائلِ، ومراتبُ الحفظِ أربعٌ:

الأولى: حفظُ المتونِ بألفاظِها؛ وهذا هو الأصلُ، ولا يعدلُ الطالبُ عنه إلا إذا شقَّ عليه.

الثانيةُ: استظهارُ المتونِ بمعانيها؛ فيحفظُ الطالبُ المتنَ كلَّه إما بلفظِه وإما بمعناهُ، ولا يتقيَّدُ بألفاظِ المؤلفِ؛ فإنها ليستْ تعبديةً.

الثالثةُ: الانتخابُ معَ الحفظِ؛ فإذا كانَ المتنُ طويلًا يشقُّ على الطالبِ حفظُه فليقمْ باختصارِه إلى القدرِ الذي لا يشقُّ عليه، وذلك بانتخابِ أهمِّ فصولِه ومسائلِه إذا كانَ منثورًا، أو أهمِّ أبياتِه إذا كانَ منظومًا، وليستعنْ في الانتخابِ بأهلِ الخبرةِ من أهلِ العلمِ، ثم يحفظُ بعدَ ذلك ما انتخبَه.

الرابعةُ: الانتخابُ معَ الاستظهارِ؛ فيحفظُ ما انتخبَه إما بلفظِه أو بمعناهُ.

عاشرًا:  العلمُ صيدٌ والكتابةُ قيدٌ: 

فلا يعتمدِ الطالبُ على ذاكرتِه دائمًا؛ فإن الحفظَ يخونُ، وما حُفِظَ فرَّ وما كُتِبَ قرَّ، فليحرصْ على التقييدِ وتلخيصِ الفوائدِ وتدوينِ البحوثِ.

حاديْ عشرَ: من طلبَ العلمَ جملةً فاتَه جملةً:

فعلى الطالبِ التدرجُ في العلمِ وتلقيه شيئًا فشيئًا، وأن لا ينتقلَ من مسألةٍ إلى أخرى حتى يتقنَها؛ فازدحامُ العلومِ في الذهنِ مظِنَّةُ التضييعِ.

والمراحلُ المشهورةُ في طلبِ العلم ثلاثُ مراحلَ:

الأولى: للمبتدئينَ: وهي للمعرفةِ والتصورِ، وتُسمَّى (مرحلةَ المتونِ)؛ وفيها يتعرَّفُ الطالبُ مصطلحاتِ الفنِّ ومسائلَه ويتصورُها، وينبغي للطالبِ أن يصرفَ جهدَه في هذه المرحلةِ إلى فهمِ الألفاظِ والمصطلحاتِ، وأن لا يشتتَ ذهنَه بتحقيقِ المسائلِ.

الثانيةُ: للمتوسطينَ: وهي للتحقيقِ والتمييزِ، وتُسمَّى (مرحلةَ شروحِ المتونِ)؛ وفيها يحقِّقُ الطالبُ المسائلَ الواردةَ في المتونِ، ويقفُ على أدلتِها، ويعرفُ الراجحَ من المرجوحِ فيها.

الثالثةُ: للمتمكنينَ: وهي للتوسعِ والاجتهادِ، وتُسمَّى (مرحلةَ المبسوطاتِ والمطولاتِ)؛ وفيها يتوسعُ الطالبُ في فروعِ العلمِ، وينظرُ في دقائقِ المسائلِ، ويقفُ على الخلافاتِ، وغيرُ ذلك.

وأما تحديدُ كتبِ الفنونِ لكلِّ مرحلةٍ فيختلفُ باختلافِ الزمانِ والمكانِ والمذهبِ والشيخِ،  وما سأذكرُه هنا لا يلزمُ أن يكونَ معمولًا به عندَ الجميعِ.

التوحيدُ:

توحيدُ العبادةِ:

يبدأُ الطالبُ بمختصراتِ الشيخِ محمدِ بنِ عبدِ الوهابِ؛ مثلُ (الأصولِ الثلاثةِ) و(القواعدِ الأربعةِ) و(التوحيدِ)، ثم شروحِها وحواشيها، ثم المبسوطاتِ من كتبِ ابن تيميةَ وأئمةِ الدعوةِ كالدررِ السَنِيَّةِ، وغيرِها.

توحيدُ الأسماءِ والصفاتِ:

يبدأُ بمختصراتِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ؛ مثلُ (الواسطيةِ) و(الحمويةِ)، ثم (التدمريةِ) وشروحِ (الواسطيةِ)، ثم المبسوطاتِ في هذا؛ كقسمِ العقائدِ من (مجموعِ الفتاوى) و(الدرءِ) و(الصواعقِ المرسلةِ)، وغيرُها.

القرآنُ:

التفسيرُ:

التفسيرُ علمٌ متقدِّمٌ، وكتبُه مبسوطةٌ حتى المختصرُ منها، ولا متونَ فيه؛ لذا فالأفضلُ للطالبِ أن لا يبدأَ به إلا بعدَ أن يأخذَ قسطًا من العلومِ الأخرى. وكتبُ التفسيرِ كثيرةٌ، وغالبُها لا يسلمُ من البدعِ، وأفضلُ كتبِ التفسيرِ تفسيرُ (الطبريِّ) و(البغويِّ) و(ابنِ كثيرٍ) و(ابنِ سعديٍّ) و(الدرُّ المنثورُ) للسويطيِّ.

أصولُ التفسيرِ: 

ومن أجودِ متونِه (مقدمةُ التفسيرِ) لشيخِ الإسلامِ، ولها شروحٌ وحواشٍ مطبوعةٌ، وقد اختصرتُ هذه المقدمةَ وأضفتُ إليها مسائلَ أخرى من كلامِ ابن تيميةَ أيضًا، ويوجدُ هذا المختصرُ على الشبكةِ.

ج) علومُ القرآنِ:

ومن أجودِ ما أُلِّفَ فيه (الإتقانُ) للسيوطيِّ، وفيه بعضُ البدعِ.

الحديثُ:

ومتونُه كثيرةٌ، من أشهرِها (عمدةُ الأحكامِ) للمقدسيِّ، و(بلوغُ المرامِ) لابنِ حجرٍ، و(المحرَّرُ) لابنِ عبدِ الهادي، و(المنتقى) للمجدِ ابنِ تيميةَ. وينبغي للطالبِ أن يبدأَ بـ(العمدةِ) لقصرِه، ثم ينتقلُ إلى (البلوغِ) أو (المحرَّرِ)، وهما متقاربانِ، ثم شروحِ هذه الكتبِ، ثم المبسوطاتِ؛ مثلُ (فتحِ الباري) و(شرحِ مسلمٍ) و(نيلِ الأوطارِ)، وغيرُها.

مصطلحُ الحديثِ:

ومن المتونِ المشهورةِ فيه (البيقونيةُ) و(النخبةُ) لابنِ حجرٍ و(الموقظةُ) للذهبيِّ، ثم شروحُها معَ شروحِ (مقدمةِ ابنِ الصلاحِ)، ثم التوسعُ بعدَ ذلك في دراسةِ كتبِ التخريجِ والعللِ والرجالِ وغيرِها.

وأنبهُ هنا على أمرينِ:

 الأولِ: أن عامةَ كتبِ المصطلحِ الموجودةِ هي على (منهجِ المتأخرينَ)، وهو مخالفٌ لـ(منهجِ المتقدمينَ).

الثاني: أن الدراسةَ النظريةَ لهذا العلمِ قليلةُ الجدوى، فعلى الطالبِ إذا أرادَ الفائدةَ أن يقومَ بالدراسةِ العمليةِ وتخريجِ الحديثِ بنفسِه ومطالعةِ كتبِ التخريجِ والرجالِ والعللِ.

أصولُ الفقهِ:

ومن أشهرِ متونِه (الورقاتُ) للجوينيِّ و(مختصرُ ابنِ الحاجبِ) و(المنهاجُ) للبيضاويِّ، ثم شروحُها، ثم المبسوطاتُ؛ كـ(المستصفى) و(الإحكامِ) و(البحرِ المحيطِ)، وغيرُها.

وأنبهُ هنا على أمرينِ:

الأولِ: أن عامةَ كتبِ الأصولِ لا تسلمُ من بدعِ المتكلمينَ، ومن أسلمِها (روضةُ الناظرِ) لابنِ قدامةَ، وحاشيةُ الشنقيطيِّ عليه المطبوعةُ باسمِ (مذكرةٍ في أصولِ الفقهِ)، و(شرحُ الكوكبِ المنيرِ) لابنِ النجارِ الفتوحيِّ، وقد جمعتُ (أصولَ فقهِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ)، ويوجدُ مختصرُها على الشبكةِ.

الثاني: أن كتبَ الأصولِ لا تخلو من تعقيدٍ وغموضٍ؛ لكثرةِ المصطلحاتِ الأصوليةِ والكلاميةِ فيها؛ لذا يستحسنُ للمبتدئِ أن يبدأَ بقراءةِ مؤلفاتِ المعاصرينَ في هذا الفنِّ؛ فهي أسهلُ لغةً وأيسرُ فهمًا؛ مثلُ (أصولِ الفقهِ) لخلَّافٍ والخضريِّ وزيدانَ وغيرِها، فإذا انتهى منها انتقل إلى مؤلفاتِ المتقدمينَ.

 

الفقهُ:

ومتونُه مختلفةٌ باختلافِ المذاهبِ؛ مثلُ (الكنزِ) للحنفيةِ، و(مختصرِ خليلٍ) للمالكيةِ، و(المنهاجِ) للشافعيةِ، و(الزادِ) للحنابلةِ، ثم ينتقلُ إلى شروحِها، ثم يقرأُ المبسوطاتِ؛ مثلُ (المغني) و(المجموعِ)، وغيرُها.

ومن أرادَ ألَّا يتقيَّدَ بمذهبٍ معيَّنٍ فعليه بـ(الدررِ البهيةِ) للشوكانيِّ، وشرحِه (الروضةِ النديةِ) لصديق القنوجي.

وأنبه هنا على أمرينَ:

الأولِ: أن كثيرًا ممن ينتسبونَ إلى الحديثِ في عصرِنا يقدحُ في التمذهبِ وفي هذه الكتبِ، وفي ذلك نظرٌ، والمذمومُ هو التعصبُ، أما الدراسةُ ومعرفةُ المذاهبِ عن طريقِ هذه الكتبِ فلا بأسَ بها، وهنا تفصيلٌ لا يحتملُه المقامُ.

الثاني: أنصحُ الطالبَ بعدَ معرفتِه للفقهِ وأصولِه بمطالعةِ كتبِ (الفقهاءِ الأحرارِ) –الذين لا يتقيدونَ بمذهبٍ-؛ مثلُ ابنِ حزمٍ وابنِ تيميةَ وابنِ القيمِ والشوكانيِّ؛ فإنها تفيدُ الطالبَ كثيرًا وتورثُ عندَه ملكةَ الاجتهادِ وتعظيمَ النصوصِ وعرضَ أقوالِ الرجالِ عليها.

النحوُ:

ويبدأُ الطالبُ فيه بـ(الآجروميةِ)، ثم شرحِها (التحفةِ السنيةِ) معَ كتبِ ابنِ هشامٍ المختصرةِ؛ مثلُ (شرحِ شذورِ الذهبِ) و(شرحِ قطرِ الندى)، ثم المبسوطاتِ؛ مثلُ (مغني اللبيبِ) وشروحِ الألفيةِ، وغيرُها.

وأنبهُ هنا على أمرينِ:

الأولِ: أن إتقانَ النحوِ نظريًّا لا يعني السلامةَ من اللحنِ؛ لفسادِ السليقةِ، وقد عُرِف عن بعضِ أئمةِ النحوِ الوقوعُ في اللحنِ، ومن أحسنِ سبلِ إصلاحِ اللسانِ أن يقرأَ الطالبُ عددًا من الكتبِ المشكولةِ (المقيدةِ بالحركاتِ) بحركاتِها بصــوتٍ عالٍ بينَ فينـــةٍ وأخـــرى، وكلمــا 

زادَ في القراءةِ استقامَ لسانُه أكثرَ، ومعَ تَكرارِ هذا تتولَّدُ عندَ الطالبِ ملكةٌ ومعرفةٌ فطريةٌ بالعربيةِ إن شاءَ اللهُ تعالى.

الثاني: أن إتقانَ النحوِ نظريًّا وعمليًّا يعني السلامةَ من اللحنِ ومعرفةَ الإعرابِ، ولا يعني بلاغةَ الكلامِ وجودةَ البيانِ وبراعةَ الأسلوبِ؛ فإن هذا محلُّه كتبُ الأدبِ لا النحوِ، فإذا أرادَ الطالبُ أن يرتقيَ أسلوبُه فعليه بالنظرِ في كتبِ الشعرِ العربيِّ ومؤلفاتِ البلغاءِ وأمراءِ البيانِ، وليحفظْ ما أمكنَه من الشعرِ وروائعِ الأدبِ، وليراجعْ ما كُتِبَ في الإنشاءِ؛ كـ(المثلِ السائرِ) لابنِ الأثيرِ، وغيرُه.

ثاني عشرَ: الجمعُ بينَ الفقهينِ:

فعلى الطالبِ بعدَ أن يفقهَ الشرعَ أن يفقهَ الواقعَ؛ لتكييفِه شرعًا ومعرفةِ حكمِه، فيطَّلعَ على المذاهبِ المعاصرةِ العقديةِ والفكريةِ، ويعرفَ النوازلَ الفقهيةَ، ويراجعَ كتبَ الموسوعاتِ الحديثةِ، ويتابعَ الأحداثَ، ويكونُ معتدلًا في هذا؛ بحيثُ لا يطغى عليه.

ثالثَ عشرَ: من تصدَّرَ مبكرًا فاتَه علمٌ كثيرٌ:

فليحرصِ الطالبُ على التمكنِ من العلمِ قبلَ أن يتصدَّرَ للتدريسِ، وليواصلِ الطلبَ حتى بعدَ جلوسِه للتعليمِ؛ كما قال الإمامُ أحمدُ: (من المحبرةِ إلى المقبرةِ).

رابعَ عشرَ: أدبُ الطلبِ:

على الطالبِ التحلي بآدابِ الطلبِ في نفسِه ومعَ مشايخِه وأقرانِه وتلاميذِه وغيرِهم، وقد ألَّفَ العلماءُ في هذا مؤلفاتٍ كثيرةً قديمةً ومعاصرةً يحسنُ الرجوعُ إليها.

وأخيرًا:

فهذه مؤلفاتٌ أنصحُ طلبةَ العلمِ بقراءتِها وتَكرارِ النظرِ فيها ومراجعتِها دائمًا:

جميعُ مؤلفاتِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ وتلميذِه ابنِ القيمِ رحمَهما اللهُ؛ فإنها مبنيةٌ على فقهِ الكتابِ والسنةِ، وهي عمدةُ المنهجِ السلفيِّ.

جميعُ مؤلفاتِ الحافظِ الذهبيِّ رحمَه اللهُ؛ فإنه محقِّقٌ ناقدٌ منصفٌ.

جميعُ مؤلفاتِ الحافظِ ابنِ رجبٍ رحمَه اللهُ، وخاصةً (فتحَ الباري) و(شرحَ العللِ) و(جامعَ العلومِ) و(القواعدَ)؛ ففيها من الفوائدِ ما ليس في غيرِها.

(فتحُ الباري) للحافظِ ابنِ حجرٍ رحمَه اللهُ؛ فهو ليس شرحًا للبخاري فقط، بل هو شرحٌ لعامةِ كتبِ الصحاحِ والسننِ والمسانيدِ، وهو عمدةُ شرَّاحِ الحديثِ بعدَه.

جميعُ مؤلفاتِ أئمةِ الدعوةِ النجديةِ رحمَهم اللهُ، وخاصةً (الدررَ السَنِيَّةَ)؛ فهي كاسمِها.

جميعُ مؤلفاتِ الشيخِ عبدِ الرحمنِ المعلميِّ رحمَه اللهُ -ذهبيِّ العصرِ-، خاصةً (التنكيلَ) و(الأنوارَ الكاشفةَ).

حاشيةُ الشيخِ عبدِ الرحمنِ بن قاسمٍ رحمَه اللهُ على (الروضِ المربعِ)؛ فهي من أجودِ ما كُتِبَ في الفقهِ، وفيها من النكتِ والنفائسِ والفوائدِ ما لا يوجدُ في غيرِها.

جميعُ مؤلفاتِ الشيخِ بكرٍ أبو زيدٍ رحمَه اللهُ؛ فهو من أجودِ المعاصرينَ تأليفًا وتحريرًا للمسائلِ وأغزرِهم فائدةً.

وأما ما كتبَه المعاصرونَ في (مصطلحِ الحديثِ) فمن أحسنِها مؤلفاتُ الشيخِ طارقِ بنِ عوضِ اللهِ؛ فهو محقِّقٌ في هذ الفنِّ، وكتبُه قيمةٌ، وشرحُه للنخبةِ من أجودِ الشروحِ.

هذا ما تيسَّرَ إيرادُه، وصلى اللهُ على نبيِّنا محمدٍ، وعلى آلِه وصحبِه أجمعينَ.

كتبَه: ناصرُ بنُ حمدٍ الفهدُ

 https://ia601000.us.archive.org/6/items/almontserbillah_yahoo_201311/%D8%A3%D8%B5%D9%88%D9%84%20%D8%AA%D9%81%D8%B3%D9%8A%D8%B1%20%D8%B4%D9%8A%D8%AE%20%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85.pdf

 عندَما انتشرَ هذا المختصـرُ وردتني من عددٍ من الإخـوةِ استشكالاتٌ،ويطلبونَ مني (الشرحَ)،وقد كنتُ وضعتُ مسوَّدةَ ثلاثةِ شروحٍ؛ (المبسوطِ)؛ وهو شــرحٌ مطـــوَّلٌ لهــــذا المختصـــرِ، وذكــــرتُ فيه فــروعَ الشيخِ المبنيةَ على كلِّ أصلٍ بالتفصيلِ. و(الوجيزِ)؛ وهو مختصرُ (المبسوطِ). و(العمدةِ)؛ وهو في شرحِ مسألةٍ واحــــدةٍ فقــــط، ولكنهــا عمـــدةُ الأصولِ الفقهيةِ عندَ الشيـخِ، وهي مسألةُ (تخصيصِ العلةِ)، وذكـــرتُ فيهـــــا فروعَه المبنيـــةَ عليها مـرتبـــةً على أبوابِ الفقهِ. ولكـــن بسبــــــبِ أحــــوالِ السجـــــنِ لم يتيســــــرْ لي تبييــــــضُ هذه الشــــــروحِ التي ستكشـــــفُ هـــــذه الإشكالاتِ عندَ الإخوةِ إن شاءَ اللهُ؛ لهــذا أدعــو من كانَ يحسنُ أصولَ الفقهِ من طلبةِ العلمِ في الخارجِ أن يحتسبَ –مشكورًا مأجورًا إن شـــاءَ اللهُ تعالى- فيضــعَ حاشيةً على هذا المختصــرِ تشــــرحُ معانيَه وتبينُ مسائلَه، وله مني جزيلُ الدعاءِ. 

  HYPERLINK “http://t.co/5AXCWG44Me” \o “http://ia801601.us.archive.org/10/items/ofsit/ofsit.pdf” \t “_blank” ia801601.us.archive.org/10/items/ofsit/ofsit.pdf 

 معَ التنبهِ إلى أن ابنَ حــــزمٍ من الظاهــــريةِ، والشوكــانيَّ من ظاهـــريةِ أهــلِ الحــــديثِ الذين يثبتـــــونَ الفحــــوى وما في معنــــاه، ويــــردونَ قيـــاسَ العلةِ؛ لذلك حصلتْ منهم شذوذاتٌ مخالفةٌ للإجماعِ؛ فأنصحُ الطالبَ قبلَ القراءةِ لهم أن يبدأَ بقراءةِ (إعــلامِ المـوقعيــنَ) لابنِ القيــمِ؛ فهو من أحســـنِ ما أُلِّفَ في كتبِ الأصولِ وطريقةِ التعاملِ معَ النصوصِ معَ تجنبِ غلوِّ القياسيينَ وجمودِ الظاهريةِ.

 لم أحِبِّ أحدًا من بعدَ أهلِ القــرونِ المفضَّلـــةِ كحــبِّي لخمســـةٍ من الأئمـــةِ، وإني واللهِ لأدعـــو لهم دائمًا في سجــودي، وهم: شيـــخُ الإســـلامِ ابنُ تيميـــةَ (ت:728)، وتلميــذُه ابنُ القيـــمِ (ت: 751)، والإمامُ محمـــدُ بنُ عبدِ الوهابِ (ت:1206)، وتلميذُه عبدُ العزيزِ بنُ محمدِ بنِ سعودٍ (ت:1218)، وشيخُنا حمودٌ الشعيبيُّ (1422) رحمَهم الله جميعًا.

PAGE  

 

     PAGE  \* MERGEFORMAT 10

 

 

 

منهج مختصر في طلب العلم

Advertisements